أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
562
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وإحاطتك ، وما أبعدني عنك بوهمي وسوء أدبي ، أو ما أقربك مني بأوصاف الربوبية ، وما أبعدني عنك بأوصاف العبودية ، فأوصاف الربوبية رفيعة القدر عظيمة الشأن ، وأوصاف العبودية خسيسة القدر دنيئة المقدار ، فلا مناسبة بينهما في القدر مع تلازمهما في المحل ، بتحقيق الوحدة ، فهما متلازمان في القيام ، متضادان في الأحكام ، والرأفة شدة الرحمة والعطف ، وذلك يقتضي شدة القرب والوصال ، وينفي وجود السوية والانفصال وهو الحجاب ، ولذلك تعجب الشيخ من وجود الحجاب بينه وبين مولاه مع شدة رحمته له وحباه ، إذ من تعطف عليك وآواك لا يمكن أن تلفت عنه إلى سواه . وفي الحكمة مكتوب : يا عبدي قد أسجدت لك الكون بما فيه الملك وأملاكه ، والملكوت وأملاكه ، فأنت أنا بما أيدتك وأنا أنت بما قلدتك ، فعش للأبد ، فمقامك لا يزاحمك فيه أحد . يا عبدي خرقت لك الحجاب ، وفتحت لك الباب ، وأظهرت لك الأمر العجاب ، فأبلغ قومك اللباب ، ولو قالوا ساحر أو كذاب ، فأنا قد وهبتك الأخلاق فدعهم يقولون : إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ صّ : 7 ] ، يا عبدي قد جعلتك تقول للشيء كن فيكون ، وما عليك أن قالوا ساحر أو مجنون أنت تشرب من رحيق الكوثر ، وهم يقولون : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [ المدثر : 24 ] ، عرجت بسرك إلى السماء ، وعلمتك خصائص الأسماء ، فأنت أمين خزائن التحقيق ، الدال لجميع الخلق على الطريق . يا عبدي من طعن في الوزير وسفه أمره ، فقد رد أمر الأمير وجهل قدره ، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] انتهى . فاللّه تعالى بجوده وفضله إذا اصطفى عبدا من عباده قربه بفضله ، واجتباه لحضرة قدسه ، وصفاه من كثائف طبعه ، وحمى شخصه من رعونات نفسه ، فيصير من أهل قربه ، قد ارتفع الحجاب عن عين قلبه ، فزجت روحه في بحار الأحدية ، وغاب سره في سبحات الألوهية ، فإن كان ممن أريد الاقتداء به رد إلى شهود سر وجوده ، وقد كحلت عين قلبه بسر الحقيقة ،